الشوكاني

203

فتح القدير

للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيل عقلا ، وقيل المراد بالمجئ الدنو بحيث يمكن التقدم في الجملة كمجئ اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة منه وليس بذاك . وقرأ ابن سيرين ( آجالهم ) بالجمع . وخص الساعة بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات . وقد استدل بالآية الجمهور على أن كل ميت يموت بأجله وإن كان موته بالقتل أو التردي أو نحو ذلك ، والبحث في ذلك طويل جدا ، ومثل هذه الآية قوله تعالى - ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون - . قوله ( يا بني آدم إما يأتينكم ) الآية ، إن هي الشرطية وما زائدة للتوكيد ، ولهذا لزمت الفعل النون المؤكدة ، والقصص قد تقدم معناه ، والمعنى : إن أتاكم رسل كائنون منكم يخبرونكم بأحكامي ويبينونها لكم ( فمن اتقى وأصلح ) أي اتقى معاصي الله وأصلح حال نفسه باتباع الرسل ، وإجابتهم ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وهذه الجملة الشرطية هي الجواب للشرط الأول ، وقيل جوابه ما دل عليه الكلام : أي إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فأطيعوهم . والأول أولى ، وبه قال الزجاج ( والذين كذبوا بآياتنا ) التي يقصها عليهم رسلنا ( واستكبروا ) عن إجابتها والعمل بما فيها ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) لا يخرجون منها بسبب كفرهم بتكذيب الآيات والرسل ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) أي لا أحد أظلم منه . وقد تقدم تحقيقه ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المكذبين المستكبرين ( ينالهم نصيبهم من الكتاب ) أي مما كتب الله لهم من خير وشر ، وقيل ينالهم من العذاب بقدر كفرهم ، وقيل الكتاب هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه ، وقيل هو اللوح المحفوظ . قوله ( حتى إذا جاءتهم رسلنا ) أي إلى غاية هي هذه ، وجملة ( يتوفونهم ) في محل نصب على الحال . والمراد بالرسل هنا ملك الموت وأعوانه ، وقيل حتى هنا هي التي للابتداء ، ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ينافي كونها غاية لما قبلها ، والاستفهام في قوله ( أين ما كنتم تدعون من دون الله ) للتقريع والتوبيخ : أي أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها ، وجملة ( قالوا ضلوا عنا ) استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جوابا عنه : أي ذهبوا عنا وغابوا فلا ندري أين هم ؟ ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) أي أقروا بالكفر على أنفسهم . قوله ( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم ) القائل هو الله عز وجل ، " وفي " بمعنى مع : أي مع أمم ، وقيل هي على بابها ، والمعنى : ادخلوا في جملتهم ، وقيل هو قول مالك خازن النار ، والمراد بالأمم التي قد خلت من قبلهم من الجن والإنس هم الكفار من الطائفتين من الأمم الماضية ( كلما دخلت أمة ) من الأمم الماضية ( لعنت أختها ) أي الأمة الأخرى التي سبقتها إلى النار ، وجعلت أختا لها باعتبار الدين ، أو الضلالة ، أو الكون في النار ( حتى إذا اداركوا فيها ) أي تداركوا ، والتدارك : التلاحق والتتابع والاجتماع في النار . وقرأ الأعمش " تداركوا " على الأصل من دون إدغام . وقرأ ابن مسعود ( حتى إذا أدركوا ) أي أدرك بعضهم بعضا . وروى عن أبي عمرو أنه قرأ بقطع ألف الوصل ، فكأنه سكت على إذا للتذكر . فلما طال سكوته قطع ألف الوصل كالمبتدئ بها ، وهو مثل قول الشاعر : يا نفس صبرا كل حي لاقى * وكل اثنين إلى افتراق ( قالت أخراهم لأولاهم ) : أي أخراهم دخولا لأولاهم دخولا ، وقيل أخراهم : أي سفلتهم وأتباعهم ( لأولاهم ) لرؤسائهم وكبارهم وهذا أول كما يدل عليه ( ربنا هؤلاء أضلونا ) فإن المضلين هم الرؤساء . ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم لأنهم تبعوهم واقتدوا بدينهم من بعدهم ، فيصح الوجه الأول ، لأن أخراهم تبعت دين أولاهم قوله ( فآتهم عذابا ضعفا من النار ) الضعف الزائد على مثله مرة أو مرات ، ومثله قوله تعالى ( ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كثيرا ) وقيل الضعف هنا الأفاعي والحيات . وجملة ( قال لكل ضعف ) استئنافية جوابا